— يشهد عالم كرة القدم الإسبانية حدثًا غير اعتيادي في الأيام القليلة المقبلة، إذ سيدخل نحو 40 ناديًا محترفًا للرجال في الدرجتين الأولى والثانية من الدوري الإسباني إلى الملاعب مرتدين أطقمًا مستوحاة من الطابع الكلاسيكي، تعكس تاريخ كل نادٍ وإرثه.
وقد كُشف عن هذه التصاميم للمرة الأولى خلال أسبوع الموضة في مدريد، ضمن حملة تحتفي بشغف البلاد العميق بكرة القدم. وبعد عشرة أسابيع فقط، سيشهد العالم انطلاق أكبر نسخة من بطولة كأس العالم في التاريخ، تُقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بمشاركة 48 منتخبًا وخوض 104 مباريات، وعلى أوسع منصة تجارية عرفتها كرة القدم حتى اليوم.
وسيطلّ العديد من اللاعبين بأطقم مشبعة بروح الحنين إلى الماضي؛ إذ كشفت شركة "أديداس" الألمانية عن أطقم بديلة جديدة تستلهم جمالية تسعينيات القرن الماضي، ومصممة برؤية حديثة ومعاصرة. كما ستعود هذه الأطقم لتحمل شعار الشركة الشهير "التريفويل"، للمرة الأولى بعد أكثر من ثلاثة عقود.
أشار الكاتب والباحث البريطاني أليكس آيرلند إلى أنّ قمصان المشجعين المقلّدة لم تكن متاحة على نطاق واسع إلا في سبعينيات القرن الماضي، أما في التسعينيات تحديدًا، فقد أصبحت أكثر قبولًا اجتماعيًا، لدرجة ارتدائها في الأماكن العامة مثل الحانات.
ويُنظر إلى قميص منتخب إنكلترا الاحتياطي الذي صمّمته شركة "أمبرو" لبطولة يورو 1996، بوصفه نقطة تحوّل نقلت القميص من مجرد زي رياضي إلى قطعة ملابس يومية.
فقد جاء القميص المخطط بدرجتين من اللون الأزرق، مصممًا ليتناسب مع سراويل الدنيم أو الجينز، في إشارة مبكرة إلى أن عمره لا يقتصر على الملعب فقط.
ثمّ تولّت التكنولوجيا إكمال المشهد، إذ أتاحت التطورات في تقنيات طباعة الأقمشة للمصممين إدماج رسومات معقدة مباشرة على القماش، ما حوّل القمصان إلى لوحات فنية متحركة، وكانت النتيجة عقدًا يُعد الأكثر ابتكارًا بصريًا في تاريخ الأزياء الرياضية.
عاد سام هاندي، المدير العام لقسم كرة القدم لدى شركة "أديداس"، بالذاكرة إلى أول بطولة كأس عالم شاهدها، وهي كأس العالم إيطاليا 1990، وتحديدًا إلى قميص منتخب ألمانيا الغربية الأساسي المميّز بتصميم هندسي بألوان الأسود والأحمر والذهبي الممتد عبر الصدر.
وأشار إلى أنّه عندما تخاطر علامة تجارية في التصميم وتربط ذلك بأداء جيد للفريق، فإنها تمتلك فرصة حقيقية لصناعة قطعة تترسّخ بصريًا في الذاكرة.
وأضاف أن شعار "التريفويل"، الذي ظهر آخر مرة على قمصان كأس العالم عام 1990، عاد في الآونة الأخيرة ليزيّن إصدارات خاصة، وسيحضر على 25 قميصًا رسميًا في منافسات كأس العالم.
وقال الجامع النرويجي إيفن نيسيت: "هذا القميص يعطيني إحساسًا بذكريات 1990، حتى لو كنت أراه فقط أو أشاهده في فيديوهات على يوتيوب داخل الملعب".
أما القميص الثالث لمنتخب إنكلترا للعام ذاته، بلونه الأزرق السماوي ونقوشه الهندسية، والمرتبط بإحدى أغاني فرقة "نيو أوردر" البريطانية، فهو يُعرض حاليًا للبيع في أحد مواقع التسوق بسعر يصل إلى 480 دولارًا أمريكيًا. ورغم أن منتخب إنكلترا لم يرتدِ هذا القميص فعليًا في المباريات الرسمية، فإن شعبيته الكبيرة بين المشجعين ساهمت في ترسيخ مكانته.
واختصر نيسيت الفكرة أكثر، مصنّفًا القمصان إلى قمصان جريئة وأخرى كلاسيكية.
ظلت هذه القمصان لعقود على الهامش، تُتداول في أسواق السلع المستعملة ومواقع المزادات المبكرة مثل "إيباي". لكن خلال العقدين الماضيين، ظهرت منصّات متخصصة لهذه الملابس مثل "ساتردايز فوتبول" و"كلت كيتز" وغيرهما، وكانت من صنيع عشاق كرة القدم الذين لم يكونوا يجدون القمصان التي يبحثون عنها.
وقال ديفيد جونز، الشريك المؤسس لـ"كلت كيتز": "70% يشترون بدافع الحنين إلى اللاعبين الذين كنتم تتخيّلون أنفسكم مكانهم في الطفولة، أما البقية فيشترونها بدافع حب الموضة".
وفي سياق لافت، بدأ النجوم يرتدون القمصان الرياضية، مثل المغنية الأمريكية دوا ليبا التي ارتدت قميص منتخب البرازيل، والممثل الفرنسي الأمريكي تيموثي شالاميه الذي ظهر بقميص أخضر لامع لمنتخب المكسيك عام 1994، وهكذا برزت موضة "بلوكور" التي جعلت القمصان الفضفاضة سمة جمالية أساسية، وأثبتت أنها أكثر من مجرد موضة عابرة.
ويُعتبر كل منهما مثاليين للترويج، حيث يعشق شالاميه الرياضة، وتحرص ليبا على مشاهدة كل مباريات نادي أرسنال البريطاني.
بالإضافة إلى تأثير المشاهير، وصف عالم النفس كلاي روتليدج هذه الظاهرة بـ"الحنين التاريخي"، أي الشوق إلى عصور لم نعشها أصلًا. وتشير أبحاثه إلى أن 68% من جيل "زد" يعانون من هذا الحنين، الذي لا يُعد نزعة رجعية، بل توجهًا نحو المستقبل، ومحاولة للتعامل مع إحباطات الحاضر عبر التمسّك بما يبدو أكثر واقعية وأصالة.
وقد رصد مات ديفيس، مؤسّس منصة "ساتردايز فوتبول"، هذا التغيّر. فمع تحوّل سوق قمصان كرة القدم الرجالية الكلاسيكية إلى سلعة تجارية خالصة، حيث بات البحث يتم وفق السعر لا وفق "الإبهار أو الفرادة"، اتجه ديفيس إلى تطوير منتجات أصلية، قبل أن يدخل في شراكة مع شركة "أديداس"، عبر تطريز نسخ مصغّرة من قمصان المنتخبات الجديدة على قبعات علامته التجارية.
ورأى ديفيس في ذلك معادلة مزدوجة: انتشار أوسع للعلامة من جهته، وشرعية أصيلة لشركة "أديداس".
ويظهر ذلك بوضوح في قميص منتخب الولايات المتحدة عام 1994، المصنوع بقماش الدنيم مع النجوم البيضاء، الذي صممته العلامة الألمانية وأثار جدلًا واسعًا في حينه، قبل أن يتحوّل لاحقًا إلى قطعة أيقونية.
اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، تطلق "أديداس" مجموعة نمط حياة مستوحاة من التصميم نفسه، تضم قمصانًا وسترات وشورتات وقبعات، وحتى حذاء "سامبا" بإصدار محدود.
في المقابل، تعتمد شركة "نايكي"، التي أصبحت الراعي الرسمي للمنتخب منذ العام 1995، في تصاميمها الخاصة بكأس العالم 2026، على تعاون وثيق مع اللاعبين، حيث ستُرتدى هذه القمصان من قبل 27 فريقًا تابعًا للاتحاد الأمريكي لكرة القدم، من منتخب الرجال والسيدات والفئات العمرية كافة، في محاولة لتوحيد الهوية البصرية للكرة الأمريكية تحت تصميم واحد.
وفي هذا السياق، قال لاعب الوسط في المنتخب الأمريكي تايلر آدامز: "أريد قميصًا تنظر إليه بعد 30 عامًا وتقول: هذا هو الأفضل".
الاتحاد العام للإعلام الإلكترونى والبث الرقمى وكالة اخبارية اعلامية دولية